فضاء حر

ما وراء رفض دعوات المجلس الانتقالي للحوار..؟!

يمنات

وليد ناصر الماس

لسنا هنا معارضين لدعوات الحوار التي نادى بها المجلس الانتقالي من حيث الشكل، لإيماننا العميق والراسخ بأهمية الحوار والتقارب مع الآخرين، لما يسهم به هذا النهج الحكيم من حلول ومعالجات حاسمة للكثير من الهموم والقضايا السياسية والاجتماعية، بعيدا عن أساليب التسلط والقمع والإقصاء المرفوضة.

غير أننا على الصعيد ذاته نعزو تحفظ وإحجام الكثير من المدعوين لهذا الحوار، من شخصيات وقيادات وقوى جنوبية عن الحضور والمشاركة للعديد من الأسباب من أهمها:

أولا: انفراد المجلس الانتقالي بالقرار السياسي المتعلق بالشأن الجنوبي طيلة عدة سنوات (هي سنوات الحرب)، ورفضه المطلق التعاطي مع مختلف المقترحات والدعوات والآراء المطروحة أمامه رغم أهمية ووجاهة بعضها.

ثانيا: ممارسات الإقصاء والتهميش التي طالت الكثير من القيادات والشخصيات الهامة وأصحاب الكفاءات والخبرات عند تأسيس المجلس وتشكيل هيئاته ودوائره، وسيطرة لون حزبي معين على قراره، وتقوقعه على جهات جغرافية بعينها، ألقت به نحو المزيد من العزلة.

ثالثا: الخطاب الإعلامي المتطرف وغير العقلاني المتسم بالشدة والحدة، الذي انتهجه المجلس الانتقالي منذ نشأته، إزاء مختلف القوى السياسية الجنوبية في مختلف الأحوال والمناسبات، بما فيها تلك القوى التي تشاطره نفس المشروع والهدف.

رابعا: استعداء المجلس الانتقالي للجميع، وتسرعه في إصدار الأحكام المسبقة والجائرة تجاه مجمل القضايا والأحداث المتعلقة بالشأن الجنوبي، ومن ذلك محاولات التخوين لقيادات وطنية وتيارات سياسية معروفة، لتباينات محدودة معها في بعض المواقف، وتزداد خطورة وتبعات ذلك عندما تنطلق هذه الأحكام من قيادات في الصف الأول للمجلس.

خامسا: محاولات المجلس المستميتة لإلغاء الآخر، وذهابه لاختزال الوطنية في ذاته، وتقليله من أدوار وأهمية وجود الآخرين وأعداد انصارهم، وأدعائه بالحق الحصري في تمثيل أبناء الجنوب دون غيره.

سادسا: اقتراف المجلس لأخطاء ليست بالهينة أحيانا كثيرة، وانخراطه في الحرب دون شروط مسبقة، والزج بعشرات الآلاف من الشباب في معارك خاسرة خارج جغرافيا الجنوب، وما ترتب على ذلك الفعل من نتائج بالغة السوء، تركت عظيم الأثر في شعبيته وثقة الآخرين به.

سابعا: وهو الأهم في نظر كثيرين، التوقيت الزماني لهذا الحوار، إذ برز في ظرف حرج، وتحديات جمة تعصف بالمجلس من كل صوب، وفقدانه للكثير من الأوراق، فضلا عن عوامل الفرقة والقطيعة المتعمقة بين المجلس وتلك القوى، وطبيعة الأدوار غير البناءة التي تلعبها الأطراف الإقليمية المتدخلة، وهشاشة أرضية الحوار، وضبابية الأجواء التي تتسيد مثل هذه الحوارات التي تبدو دوافعها ظرفية ليس إلا.

على المجلس الانتقالي انتهاج الخطاب السياسي العقلاني والحصيف قولا وفعلا، والانفتاح على الآخر سيما تلك القوى التي يلتقي معها على نفس المسار، وتقديم برنامج سياسي أكثر واقعية وشمول، يستهدف جميع القضايا الوطنية بتشعباتها، لانتشال الجنوب من أزماته المتراكمة، ما يملي ضرورة تشكيل جبهة وطنية صلبة قادرة على مجابهة مختلف التحديات الماثلة.
بناء الدولة المدنية العادلة لا يتحقق من خلال رؤية سياسية ضيقة، أو عبر حزب سياسي يمتطي السلطة بوسائله، فمرحلة الحكم الشمولي للجنوب عامرة بالتجارب المؤكدة على فشل ممارسات احتكار السلطة والحكم والانفراد بالقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى